عبد القادر الجيلاني

27

سر الأسرار ومظهر الأنوار فيما يحتاج إليه الأبرار

فلفظ التّصوّف أربعة أحرف : التّاء والصّاد والواو والفاء . فالتّاء : من التّوبة ، وهي على وجهين : توبة الظّاهر ، وتوبة الباطن . فتوبة الظّاهر : أن يرجع بجميع أعضائه الظّاهرة من الذّنوب والذّمائم إلى الطّاعات ، ومن المخالفات إلى الموافقات قولا وفعلا . وتوبة الباطن : أن يرجع بجميع أطوار الباطن عن المخالفات الباطنة إلى الموافقات بتصفية القلب ، وإذا حصل تبديل الذّميمة إلى الحميدة فقد تمّ مقام التّاء ، ويسمونه تائبا . والصّاد : من الصّفاء ، وهو على نوعين : صفاء القلب ، وصفاء السّرّ . فصفاء القلب : أن يصفّي قلبه من الكدرات البشريّة ، مثل العلاقات الّتي تحصل في القلب من كثرة الأكل والشّرب من الحلال ، وكثرة الكلام ، وكثرة النّوم ، وكثرة الملاحظات الدّنيويّة ، مثل حبّ زيادة الكسب ، وزيادة الجماع ، وزيادة محبّة الأولاد وأهله ونحو ذلك من المناهي النّفسانيّة . وتصفية القلب من هذه الكدرات لا تحصل إلّا بملازمة ذكر اللّه تعالى بالتّلقين جهرا في الابتداء إلى أن يبلغ مقام الحقيقة كما قال اللّه تعالى : إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ . . . [ الأنفال : الآية 2 ] - أي : خشيت قلوبهم - والخشية لا تكون إلّا بعد انتباه القلب من نوم الغفلة وتصقيله ، فينقش فيه صور الغيب من الخير والشّر كما ورد : ( العالم ينقش والعارف يصقل ) . وصفاء السّرّ : الاجتناب عن ملاحظة ما سوى اللّه تعالى ومحبته بملازمة أسماء التّوحيد بلسان سرّه . وإذا حصلت هذه التّصفية فقد تمّ مقام الصّاد . والواو : من الولاية ، تترتب على التّصفية كما قال اللّه تعالى : أَلا إِنَّ أَوْلِياءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ ( 62 ) [ يونس : الآية 62 ] ونتيجة الولاية أن يتخلّق بأخلاق اللّه تعالى كما قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم : « تخلّقوا بأخلاق اللّه » - أي : اتّصفوا بصفات اللّه تعالى ، فتلبّس خلع صفات اللّه بعد خلع الصّفات البشريّة كما قال اللّه تعالى في الحديث القدسيّ : « إذا أحببت عبدا كنت له سمعا وبصرا ويدا ولسانا ، فبي يسمع وبي يبصر وبي يبطش وبي ينطق وبي يمشي » فتهذبوا ممّا سوى اللّه تعالى كما قال اللّه تعالى : وَقُلْ جاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْباطِلُ . . . [ الإسراء : الآية 81 ] فحصل مقام الواو .